الحكيم الترمذي

501

ختم الأولياء

إلى خاتم النبيين ؛ ثم يرجع الحكم إلى الأولياء والأوصياء المخصوصين به ، إلى أن يصل ( إلى ) خاتمهم ، الذي هو المهدي ، رضي اللّه عنه ! « فاعلم أن الأمور كثيرة مختلفة في العالم . وكل شيء يدور عليه أمر ما من الأمور فذلك قطب ذلك الأمر . وأما الأقطاب من أمته ، الذين كانوا بعد بعثته إلى ( يوم ) القيامة ، فهم اثنا عشر ( الأصل : اثني عشر ) قطبا . . . « ثم نرجع ونقول : إن أقطاب هذه الأمة المحمدية ، صلى اللّه عليه وسلم ، على اقسام مختلفة كالابدال في الأقاليم السبعة . لان لكل إقليم بدلا ( الأصل : بدل ) هو قطب ذلك الإقليم . وكالأوتاد الأربعة ، لهم اربع جهات يحفظها اللّه بهم : من شرق وغرب وجنوب وشمال ؛ لكلّ جهته . وكأقطاب القرى ، فلا بد في كل قرية من وليّ ، به يحفظ اللّه تلك القرية ، سواء أكانت تلك القرية كافرة أو مؤمنة ؛ فذلك الولي قطبها . وكذلك أصحاب المقامات : فلا بد للزهاد من قطب يكون المداد عليه في الزهد . وكذلك في كل صنف صنف من أربابها ( لا بد ) من قطب يدار عليه ذلك المقام . « وهذا على سبيل الاجمال . واما على سبيل التفصيل . . . ( فشرح ) هذه الأبحاث يحتاج إلى قواعد كثيرة : « القاعدة الأولى ، في بحث النبوة والرسالة وما يتعلق بذلك من الأبحاث المذكورة من حيث خاتم الأنبياء وخاتم الأولياء مطلقا ومقيدا . « اعلم أيها السامع ، ان النبوة هي الاخبار عن الحقايق الإلهية والمعارف الربانية ذاتا وصفة واسما وفعلا . وهي على قسمين : نبوة التعريف ونبوة التشريع . فالأولى هي الانباء عن معرفة الذات والصفات والأسماء والافعال . والثانية جميع ذلك مع تبليغ الأحكام . وبعبارة أخرى ، النبوة هي قبول النفس القدسي حقايق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الكلي . والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستحقين . والولاية هي التصرف في الخلق بالحق ، على ما هم مأمورون به من حيث الباطن والالهام ، دون الوحي . لأنهم متصرفون فيهم ( - في الخلق ) به ( - بالحق ) لا بأنفسهم . وذلك لأنهم فنوا عن أنفسهم ووجودهم وبقوا به وبوجوده ، وصاروا هو هو . وهذا الفناء عبارة عن الفناء في العرفان لا في الأعيان ، فان ذلك غير ممكن ، كما هو معلوم من حال الأنبياء والأولياء ، الذين كانوا فانين فيه باقين به ، مع بقاء تشخصهم الصوري ( الأصل : الصورية ) . وكثير من الناس قد غلطوا في هذا المقام وتوهموا ان المراد بالفناء الفناء في الأعيان ! « وفي الحقيقة ، الولاية هي باطن النبوة . والفرق بين النبي والرسول والولي ان النبي والرسول لهما التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة ، والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة . ومن هذا قالوا : النبوة تنقطع والولاية لا تنقطع ابدا . وسيجيء هذا البحث ابسط من ذلك . « وإذا عرفت هذا ، فنقول : اعلم أن للنبوة والولاية اعتبارين : اعتبار الاطلاق واعتبار التقييد إلى العام والخاص . فالمطلق من النبوة مخصوص بحقيقة نبينا محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، المعبر عنها بالروح الأعظم والعقل الأول وغير ذلك مما سبقت اليه الإشارة . والمقيد منها مخصوص بمظاهره المقيدة ، من آدم إلى عيسى ، عليهما السلام . لقوله في الأول : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » . ولقوله في الثاني : « آدم ومن دونه تحت لوائي » .